الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

514

مناهل العرفان في علوم القرآن

تشويش المبتدعة . والثالث وهو اللباب أن يرى الأمور كلها من اللّه تعالى رؤية تقطع التفاته عن الوسائط ، وأن يعبده عبادة يفرده بها ، فلا يعبد غيره . ويخرج عن هذا التوحيد أتباع الهوى ، فكل متّبع هواه فقد اتخذ هواه معبوده . قال تعالى : « أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ » . وقال صلّى اللّه عليه وسلّم « 1 » : « أبغض إله عبد في الأرض عند اللّه تعالى هو الهوى » . وعلى التحقيق من تأمّل عرف أن عابد الصنم ليس يعبد الصنم وإنما يعبد هواه ، إذ نفسه مائلة إلى دين آبائه فيتبع ذلك الميل ، وميل النفس إلى المألوفات أحد المعاني التي يعبر عنها بالهوى . ويخرج من هذا التوحيد التسخّط على الخلق والالتفات إليهم ، فإن من يرى الكلّ من اللّه عزّ وجلّ كيف يتسخّط على غيره ؟ فلقد كان التوحيد عبارة عن هذا المقام ، وهو مقام الصدّيقين . فانظر إلى ما ذا حوّل ؟ وبأىّ قشر قنع منه ؟ وكيف اتخذوا هذا معتصما في التمدّح والتفاخر بما اسمه محمود مع الإفلاس عن المعنى الذي يستحق الحمد الحقيقي ؟ وذلك كإفلاس من يصبح بكرة ويتوجّه إلى القبلة ويقول : « وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً » وهو أول كذب يفاتح اللّه به كل يوم إن لم يكن توجه قلبه توجها إلى اللّه تعالى على الخصوص . فإنه إن أراد بالوجه وجه الظاهر فما وجهه إلا إلى الكعبة ، وما صرفه إلا عن سائر الجهات . والكعبة ليست جهة للذي فطر السماوات والأرض حتى يكون المتوجّه إليها متوجّها إليه تعالى عن أن تحدّه الجهات والأقطار . وإن أراد به وجه القلب وهو المطلوب التعبّد به فكيف يصدق في قوله ؟ وقوله متردّد في أوطاره وحاجاته الدنيوية ، ومتصرف في طلب الحيل في جمع الأموال والجاه واستكثار الأسباب ومتوجّه بالكلية إليها ، فمتى وجّه وجهه للذي فطر السماوات والأرض ؟ وهذه الكلمة خبر عن حقيقة التوحيد ، فالموحّد

--> ( 1 ) قال العراقي في تخريج هذا الحديث : رواه الطبراني من حديث أبي أمامة بإسناد ضعيف .